فخر الدين قباوه
9
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ « 1 » [ القيامة : 75 / 29 ] هو الاستعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها ، وشدة كرب الآخرة في أول يوم منها . وعندما عرض هو وآخرون من علماء القرن الأول ، لقول اللّه عزّ وجلّ : مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ « 2 » [ المعارج : 70 / 3 ] ، ذكروا أن المعارج هنا مقصود بها الاستعارة ، للرّتب والفواضل والصفات الحميدة . وكذلك كان تعبير ابن عباس وبعض التابعين ، عن تفسير القول الكريم : فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ « 3 » [ القمر : 54 / 37 ] ، إذ قالوا : هذه استعارة ، وإنما حجب إدراكهم ، فدخلوا المنازل ولم يروا شيئا ، فجعل ذلك كالطّمس . بل لقد امتدت بصائرهم ومداركهم في التّذوّق والتّحليل ، إلى لفتات من علم المعاني ، حتى جاء عنهم في تفسير العبارة القرآنية : قاتَلَهُمُ اللَّهُ « 4 » [ المنافقون : 63 / 4 ] ، أن الفعل هنا معناه الطلب من ذاته - تعالى - أن يلعنهم ، فالمعنى : لعنهم اللّه . ولا طلب هناك حقيقة ، بل عبارة الطلب للدلالة على أن اللعن عليهم لا بدّ منه . وروي أنه لما أنشد سحيم قوله : عميرة ودّع ، إن تجهّزت غازيا * كفى الشّيب والإسلام للمرء ، ناهيا رأى عمر بن الخطاب إخلالا في إيراد المتعاطفين ، بهذه الصورة التي لا تصيب دقة التعبير في البيئة الجديدة ، وقال له : « لو قدّمت الإسلام على الشيب لأجزتك » « 5 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق 8 : 390 . ( 2 ) نفس المصدر 8 : 333 . ( 3 ) المصدر نفسه 8 : 182 . ( 4 ) انظر الفتوحات الإلهية 4 : 347 . ( 5 ) البيان والتبيين 1 / 71 - 72 .